الكبير الجربي شتنبر 2015
شكلت الانتخابات الجماعية والجهوية، التي عرفتها بلادنا يوم الجمعة 4 شتنبر2015، حدثاً متميزاً في التاريخ السياسي المغربي، انطلاقاً من كونها الأولى من نوعها في مرحلة ما بعد إقرار دستور 2011، ثم لصلتها المباشرة بمجموعة من الرهانات المحلية. وقد حضيت هذه الانتخابات باهتمام شعبي غير مسبوق مقارنة مع الاستحقاقات التشريعية ليوم 25 نونبر 2011، وذلك نظراً لارتباطها المباشر بتدبير الشأن العام المحلي وبانشغالات الساكنة وانتظاراتها، ولكون نتائجها ستعطي صورة تقريبية للتركيبة المفترضة لمجلس المستشارين والمحظوظين لولوج قبة البرلمان، على اعتبار أن هذه المؤسسة (مجلس المستشارين) تتشكل، وفق ما ينص عليها قانونها التنظيمي رقم11.28 كما تم تعديله وتتميمه، بالإضافة إلى أعضاء هيئات أخرى، من ثلاثة أخماس أعضاء مجالس الجماعات. وهو الأمر الذي جعل الكثير يراهن على إفراز نخب قادرة على التسيير والتدبير وكذا التخليق على المستوى المحلي، وذات كفاءات عالية للترافع على مستوى المركز.
ولعل ارتفاع نسبة التسيس عند شرائح عريضة من المجتمع المغربي مرده الى مجموعة من العوامل من بينها تزايد الاهتمام بالشأن المحلي، وتنامي الوعي السياسي لدى مختلف فئات الأعمار. كما أن سهولة الولوج إلى وسائل التواصل الاجتماعي واستعمال أدوات التكنولوجيا الحديثة، هو ما زاد من هذا الاهتمام والتتبع غير المسبوقين للشأن السياسي ببلادنا، وفتح الباب على مصراعيه على السياسة بصفة عامة، والانتخابات الأخيرة بصفة خاصة.
وهكذا، وعملاً بمقتضيات القانون التنظيمي رقم: 59.11 المتعلق بانتخاب أعضاء مجالس الجماعات الترابية، وكذا النصوص التنظيمية المرتبطة به، فقد جرى هذا الاستحقاق الوطني في جو من الصراع القوي بين مختلف الألوان السياسية، التي دخلت معركة التنافس الانتخابي. ولعل الصراع قد احتد عموماً بين الأحزاب الأربعة المشكلة للإتلاف الحكومي، أي حزب العدالة والتنمية الذي يقود الحكومة، حزب التقدم والاشتراكية، حزب الحركة الشعبية ثم حزب التجمع الوطني للأحرار -أحد أقطاب المعارضة سابقاً-، من جهة، والتكثل الرباعي المشُكل للمعارضة البرلمانية، وعلى رأسه حزب اللأصالة والمعاصرة (PAM)، حزب الاتحاد الدستوري، حزب الاستقلال المنسحب من الحكومة في نسختها الأولى ثم حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. وهو الأمر الذي لامسه الرأي العام من خلال لغة الخطاب السياسي المتشنجة لدى هؤلاء الفاعلين الحزبيين طيلة الفترة المخصصة للحملة الانتخابية، خصوصاً بين العدوين اللدودين حزب العدالة والتنمية من جهة وأحزاب الأستقلال ،الأصالة والمعاصرة والاتحاد الاشتراكي، من جهة ثانية.
أما فيما يخص النتائج، فقد أفرزت هذه الانتخابات -على المستوى الوطني– بشأن انتخابات أعضاء مجالس الجماعات والمقاطعات، تموقع حزب الأصالة والمعاصرة في صدارة الترتيب قبل كل من حزب الاستقلال الذي حل ثانيا، ثم بعده حزب العدالة والتنمية، فحزب التجمع الوطني للأحرار، الحركة الشعبية ثم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. في حين تصدر حزب العدالة والتنمية نتائج انتخابات أعضاء المجالس الجهوية متبوعاً بحزب الأصالة والمعاصرة.
وعلى النطاق المحلي، فقد أفرزت صناديق الاقتراع، المتعلقة بالانتخابات الجماعية، بعد استبعاد ثمان لوائح لم تتمكن من الحصول على العتبة المحددة، في المادة 139 من ذات القانون، في 6% من الأصوات المعبر عنها في هذا الاقتراع، تقاسم ست لوائح فقط من أصل الأربعة عشر لائحة المترشحة لهذه الانتخابات، المقاعد المخصصة للمجلس البلدي لسيدي يحيى الغرب والبالغ عددها التسعة والعشرين (منها ستة مقاعد مخصصة للعنصر النسوي)، كما حددها المرسوم الصادر بشأن عدد المقاعد المخصصة للجماعات وجماعات المقاطعات وذلك تطبيقاً للمادة 128 مكرر من القانون التنظيمي 59 .11.
اللوائح المستبعدة من منافسة اقتسام المقاعد المخصصة للمجلس البلدي هي لائحة كل أحزاب التجديد والإنصاف، الشورى والاستقلال، البيئة والتنمية المستدامة، الإصلاح والتنمية، الاستقلال، المغربي الليبرالي، الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ثم التجمع الوطني للأحرار.
وهكذا، وبلغة الأرقام، فقد تصدر كل من حزبي العدالة والتنمية والاتحاد الدستوري هذه النتائج ب9 مقاعد لكل واحد منهما، متبوعين بحزب الحركة الشعبية بأربعة مقاعد، ثم ثلاثة مقاعد لحزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية، التقدم والاشتراكية بمقعدين. في حين لم يتمكن حزب الأصالة والمعاصرة -المحتل الصدارة وطنياً- من الظفر سوى بمقعدين.
بعد الإعلان عن النتائج الرسمية لهذه الانتخابات، ستدخل الأحزاب الفائزة بمقاعد المجلس البلدي الجديد للمدينة مرحلة مفصلية لانتخاب رئاسة المجلس، والتي سيحسم فيها خلال 15 يوماً الموالية لتاريخ الإعلان عن النتائج، طبقاً لما تنص عليه مقتضيات القانون التنظيمي رقم 113. 14 المتعلق بالجماعات.
وحيث أنه لم تحصل أية لائحة من اللوائح الست المتقاسمة لمقاعد المجلس على الأغلبية المطلقة لمجموع المقاعد 29 المخصصة للمجلس البلدي للمدينة (أي نصف المقاعد زائد واحد وهو 15 مقعداً على الأقل)، فإنه أمام كل من الحزبين الفائزين بالمرتبة الأولى الدخول في تحالفات مع باقي الأحزاب الأخرى لتكوين أغلبية مطلقة تمكن أحدهما من الظفر بمنصب الرئاسة. وعلى افتراض أن رئاسة المجلس البلدي لن تخرج عن وكيلي لائحتي حزب العدالة والتنمية والاتحاد الدستوري لكونهما فائزين بأكبر عدد من المقاعد، ولصعوبة تشكيل هذه الأغلبية من طرف باقي الأحزاب الأخرى نظراً لحصولها على عدد أقل من المقاعد، باستثناء الحزب المحتل للمرتبة السادسة والذي لن يسمح له القانون التنظيمي المتعلق بالجماعات تقديم ترشيحه، فإننا سنكون على الأرجح، أمام إحدى السيناريوهين التاليين:
السيناريو الأول :
وهو أن الأحزاب التي تنتمي للائتلاف الحكومي، ونعني بذل ككل من حزب العدالة والتنمية، الحركة الشعبية ثم التقدم والاشتراكية، سوف لن تخرج عن منطق وتوجه التحالف المشكل للحكومة الحالية. ومن تم، ستكون الأحزاب على مستوى الأسفل (أي على المستوى المحلي) تسير في نفس النهج والتوجه التي ترسمه قياداتها (أي انسجام القمة مع القواعد)، وستعطي حينها رسالة واضحة للرأي العام عن الانضباط الحزبي والانسجام ما بين مختلف المستويات (محلي -اقليمي -جهوي ووطني). في الوقت الذي عبرت عنه قيادات بعض الأحزاب سواء تلك المتموقعة داخل التحالف الحكومي أو المُشًكلة لقطب المعارضة عن عدم نيتها بل التزامها بعدم الدخول في تحالف مع الطرف الخصم بل واعتبرته من الخطوط الحمراء.
وانسجاماً مع هذا التوجه، وتماشياً مع المنطق الأخلاقي الذي يفرض على المنتخب الانضباط لتوجهات حزبه، فإنه من الأرجع أن نكون إذن أمام كثلتين اثنتين :
- كثلة أولى :
وسيكون في حوزتها 15 مقعداً، وتتشكل من كل من أحزاب : العدالة والتنمية، الحركة الشعبية ثم التقدم والاشتراكية، دون الحاجة الى ضم حزب الحركة الديمقراطية الإجتماعية وذلك للحفاظ ما أمكن على الأوراق التي سيعمل حزب العدالة والتنمية اللعب بها لإرضاء المتحالفين. وبهذه الأغلبية، سيتمكن هذا الأخير من الظفر بمنصب رئاسة المجلس البلدي الجديد.
- كثلة ثانية :
وفي جعبتها 14مقعداً، وتضم كل من حزب الاتحاد الدستوري حزب الأصالة والمعاصرة وكذا حزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية الذي سوف لن يكون أمامه أي خيار سوى الانضمام الى المعارضة. وبهذه التركيبة، سوف لن يتمكن حزب الاتحاد الدستوري من الحصول على الأغلبية المطلوبة للظفر برئاسة المجلس.
السيناريو الثاني :
وهو فرضية عدم تقيد إحدى الحزبين الأخريين، المنتميين للتحالف الحكومي، (ونعني بهما حزب الحركة الشعبية وحزب التقدم والاشتراكية) بتوجه ومنطق القيادة الذي يفرض عدم التحالف مع أحزاب المعارضة. وفي هذه الحالة، سنكون إذن أمام امكانية انضمام أحد الحزبين المذكورين أو هما معاً لحزب الاتحاد الدستوري. وفي هذه الحالة ستختلط الأوراق شيئاً ما أمام حزب العدالة والتنمية.
- وعلى فرض انضمام حزب التقدم والاشتراكية إلى حزب الإتحاد الدستوري، فإن حزب العدالة والتنمية سيكون مكرهاً، مهما كلفه ذلك من ثمن، لجلب أعضاء حزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية لتشكيل الأغلبية المطلقة. مع العلم أن هذا التحالف سيكلف لا محالة الفائز بالرئاسة ثمناً باهضاً، سيما على مستوى تكوين مكتب المجلس، ونعني بالخصوص مناصب خلافة الرئاسة التي سيكون مرغماً للتنازل عنها لفائدة حلفائه لإرضائهم من جهة. ومن جهة ثانية، سيكون في وضع غير مريح ومعرض للوم والمساءلة والانتقاد من طرف أعضاء حزبه الطامحين هم أيضاً للظفر بمناصب داخل مكتب المجلس، سيما على مستوى منصب خلافة الرئاسة، علماً بأن عددهم يفوق ستة العدد المخصص لمناصب خلافة الرئيس.
- أما في حالة استعداد حزب الحركة الشعبية الانضمام إلى حزب الاتحاد الدستوري عوض حزب العدالة والتنمية، فسيكون هذا الأخير حينها أمام ضرورة جلب 06 مقاعد على الأقل للحصول على الأغلبية المطلقة. وهي مهمة تبقى في تقديرنا شبه مستحيلة لاعتبارات مختلفة، وستحول دون حصوله على منصب الرئاسة التي ستؤول، في هذا الإحتمال، إلى حزب الاتحاد الدستوري، إذا ما تمكن، هو الآخر، من جلب أصوات باقي الأحزاب الأخرى المتبقية.
ومهما يكن من أمر، وحتى لا نستبق الأحداث والوقائع، فإن كل الاحتمالات تبقى واردة بشأن الصراع على رئاسة المجلس، إذ لاشئ ثابت في السياسة. وكل السيناريوهات تبقى إذن ممكنة وقابلة للتغير طيلة المدة التي تفصلنا عن انعقاد جلسة انتخاب رئاسة المجلس، والتي حدد القانون التنظيمي 113.14 تاريخ انعقادها داخل 15 يوماً الموالية لتاريخ الإعلان عن نتائج اقتراع الرابع شتنبر 2015. فالتحالف، مهما يكن، سواء مع هذا اللون السياسي أو ذاك، ليس بالأمر غير المشروع في الممارسة السياسية. إذ لا شئ يمنع من أن يتحالف أعضاء في اليمين مع آخرين في اليسار داخل هيئة تمثيلية معينة، لكن شريطة أن يخضع ذلك –على الأقل- لأدنى الشروط القيمية والأخلاقية.
ولو أن مجال السياسة فضاء واسع للمناورة والتكتيك وينبني –في الكثير من المناسبات- على أسس ومبادئ النظرية الميكيافيلية حيث المكر، الحيلة والخداع، إلا أنه من المستحسن، بل من المفروض أن تتم التحالفات، التي نحن بصدد تناول سياقها، على أساس مبدأ قيمي أخلاقي يستحضر المنتخَب حينها إرادة الناخب الذي عبر عن طواعية وقناعة للتصويت لفائدته، ويشعر بالمسؤولية حيال ناخبيه، وأن لا يتم ذلك بأي شكل من الأشكال والصور التي تعبر عن الالتفاف على الإرادة الشعبية. لأن كل تحالف مشبوه في شرعيته الديمقراطية إلا وسيكون باطلاً أخلاقياً، والتفافاً على إرادة الساكنة المحلية، وسيفضي، من تم مستقبلاً إلى نتائج عكسية على الممارسة السياسية وانخراط المواطنين بكل فئاتهم في المجال السياسي، ويكرس من تم ظاهرة العزوف.
فإذا كان ارتفاع نسبة المشاركة في هذه الانتخابات قد أعطى، للرأي العام، مؤشرأ حقيقياً على تصالح المواطن مع السياسة والرجوع إلى صناديق الاقتراع، فإن كل تحالف مبني على مصالح ضيقة أو وفق منظور مادي صرف، لا يُراعَى فيه اختيار الناخب وقناعاته، سيهدم كل المجهودات التي بذلتها الدولة ومعها الفاعلين السياسيين لإرجاع ثقة المواطن في العمل السياسي. وسيكرس لا محالة واقعاً مرا سيتجرعه المواطن طيلة مدة الانتذاب التي حددها المشرع في ستة أعوام. كما سيعطي أيضاً صورة قاتمة لمستوى تدني المنظومة القيمية والأخلاقية لدى المنتخب الذي يجب أن يضع إرادة، اختيار ومصالح ثم أمانة الساكنة فوق كل الاعتبارات الشخصية والمادية الضيقة. فالمنتخب مطالب اليوم باستيعاب معنى ومغزى هذا التفويض الذي هو من طبيعة ما يطلق على تسميته في علم السياسة ب"الوكالة الآمرة" (Mondat impératif)، التي تفرض عليه أن يبقى وفيا لتعهداته التي أخذ على عاتقه، وتمنح بالمقابل الحق للناخبين سحب هذا التفويض منه كلما التف على إرادتهم.
فالقانون أوكل إلى المنتخب تولي مسؤوليات جمة وقيادة أوراش تنموية مفصلية ببلادنا، وعلى رأسها مشروع الجهوية المتقدمة كتنظيم ترابي لا مركزي، وفق ما نص على ذلك المشرع الدستوري من خلال الفقرة الرابعة من الفصل الأول، وهو ما يتطلب من هذا المنتخب أن يكون في مستوى هذا التكليف، سواء في محطة انتخاب رئاسة المجلس وباقي أجهزته، أو طيلة المرحلة المخصصة لتدبير الشأن العام المحلي، حتى يعبر بكل صدق وحسن نية عن أداء الأمانة ورعايتها، والحفاظ أيضاً عن نظافة ماء الوجه.
الكبير الجربي : باحث في القانون الدستوري وعلم السياسة
ولعل ارتفاع نسبة التسيس عند شرائح عريضة من المجتمع المغربي مرده الى مجموعة من العوامل من بينها تزايد الاهتمام بالشأن المحلي، وتنامي الوعي السياسي لدى مختلف فئات الأعمار. كما أن سهولة الولوج إلى وسائل التواصل الاجتماعي واستعمال أدوات التكنولوجيا الحديثة، هو ما زاد من هذا الاهتمام والتتبع غير المسبوقين للشأن السياسي ببلادنا، وفتح الباب على مصراعيه على السياسة بصفة عامة، والانتخابات الأخيرة بصفة خاصة.
وهكذا، وعملاً بمقتضيات القانون التنظيمي رقم: 59.11 المتعلق بانتخاب أعضاء مجالس الجماعات الترابية، وكذا النصوص التنظيمية المرتبطة به، فقد جرى هذا الاستحقاق الوطني في جو من الصراع القوي بين مختلف الألوان السياسية، التي دخلت معركة التنافس الانتخابي. ولعل الصراع قد احتد عموماً بين الأحزاب الأربعة المشكلة للإتلاف الحكومي، أي حزب العدالة والتنمية الذي يقود الحكومة، حزب التقدم والاشتراكية، حزب الحركة الشعبية ثم حزب التجمع الوطني للأحرار -أحد أقطاب المعارضة سابقاً-، من جهة، والتكثل الرباعي المشُكل للمعارضة البرلمانية، وعلى رأسه حزب اللأصالة والمعاصرة (PAM)، حزب الاتحاد الدستوري، حزب الاستقلال المنسحب من الحكومة في نسختها الأولى ثم حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. وهو الأمر الذي لامسه الرأي العام من خلال لغة الخطاب السياسي المتشنجة لدى هؤلاء الفاعلين الحزبيين طيلة الفترة المخصصة للحملة الانتخابية، خصوصاً بين العدوين اللدودين حزب العدالة والتنمية من جهة وأحزاب الأستقلال ،الأصالة والمعاصرة والاتحاد الاشتراكي، من جهة ثانية.
أما فيما يخص النتائج، فقد أفرزت هذه الانتخابات -على المستوى الوطني– بشأن انتخابات أعضاء مجالس الجماعات والمقاطعات، تموقع حزب الأصالة والمعاصرة في صدارة الترتيب قبل كل من حزب الاستقلال الذي حل ثانيا، ثم بعده حزب العدالة والتنمية، فحزب التجمع الوطني للأحرار، الحركة الشعبية ثم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. في حين تصدر حزب العدالة والتنمية نتائج انتخابات أعضاء المجالس الجهوية متبوعاً بحزب الأصالة والمعاصرة.
وعلى النطاق المحلي، فقد أفرزت صناديق الاقتراع، المتعلقة بالانتخابات الجماعية، بعد استبعاد ثمان لوائح لم تتمكن من الحصول على العتبة المحددة، في المادة 139 من ذات القانون، في 6% من الأصوات المعبر عنها في هذا الاقتراع، تقاسم ست لوائح فقط من أصل الأربعة عشر لائحة المترشحة لهذه الانتخابات، المقاعد المخصصة للمجلس البلدي لسيدي يحيى الغرب والبالغ عددها التسعة والعشرين (منها ستة مقاعد مخصصة للعنصر النسوي)، كما حددها المرسوم الصادر بشأن عدد المقاعد المخصصة للجماعات وجماعات المقاطعات وذلك تطبيقاً للمادة 128 مكرر من القانون التنظيمي 59 .11.
اللوائح المستبعدة من منافسة اقتسام المقاعد المخصصة للمجلس البلدي هي لائحة كل أحزاب التجديد والإنصاف، الشورى والاستقلال، البيئة والتنمية المستدامة، الإصلاح والتنمية، الاستقلال، المغربي الليبرالي، الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ثم التجمع الوطني للأحرار.
وهكذا، وبلغة الأرقام، فقد تصدر كل من حزبي العدالة والتنمية والاتحاد الدستوري هذه النتائج ب9 مقاعد لكل واحد منهما، متبوعين بحزب الحركة الشعبية بأربعة مقاعد، ثم ثلاثة مقاعد لحزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية، التقدم والاشتراكية بمقعدين. في حين لم يتمكن حزب الأصالة والمعاصرة -المحتل الصدارة وطنياً- من الظفر سوى بمقعدين.
| الحزب | عدد الأصوات المحصل عليها | عدد المقاعد المحصل عليها | النسبة المأوية |
|---|---|---|---|
| الحدالة والتنمية | 2117 | 9 | 31,03% |
| الإتحاد الدستوري | 2051 | 9 | 31,03% |
| الحركة الشعبية | 753 | 4 | 13,80% |
| الحركة الديمقراطية الإجتماعية | 523 | 3 | 10,34% |
| الأصالة والمعاصرة | 523 | 2 | 6,90% |
| التقدم والإشتراكية | 516 | 2 | 6,90% |
| المجموع | 6553 | 29 | 100% |
وحيث أنه لم تحصل أية لائحة من اللوائح الست المتقاسمة لمقاعد المجلس على الأغلبية المطلقة لمجموع المقاعد 29 المخصصة للمجلس البلدي للمدينة (أي نصف المقاعد زائد واحد وهو 15 مقعداً على الأقل)، فإنه أمام كل من الحزبين الفائزين بالمرتبة الأولى الدخول في تحالفات مع باقي الأحزاب الأخرى لتكوين أغلبية مطلقة تمكن أحدهما من الظفر بمنصب الرئاسة. وعلى افتراض أن رئاسة المجلس البلدي لن تخرج عن وكيلي لائحتي حزب العدالة والتنمية والاتحاد الدستوري لكونهما فائزين بأكبر عدد من المقاعد، ولصعوبة تشكيل هذه الأغلبية من طرف باقي الأحزاب الأخرى نظراً لحصولها على عدد أقل من المقاعد، باستثناء الحزب المحتل للمرتبة السادسة والذي لن يسمح له القانون التنظيمي المتعلق بالجماعات تقديم ترشيحه، فإننا سنكون على الأرجح، أمام إحدى السيناريوهين التاليين:
السيناريو الأول :
وهو أن الأحزاب التي تنتمي للائتلاف الحكومي، ونعني بذل ككل من حزب العدالة والتنمية، الحركة الشعبية ثم التقدم والاشتراكية، سوف لن تخرج عن منطق وتوجه التحالف المشكل للحكومة الحالية. ومن تم، ستكون الأحزاب على مستوى الأسفل (أي على المستوى المحلي) تسير في نفس النهج والتوجه التي ترسمه قياداتها (أي انسجام القمة مع القواعد)، وستعطي حينها رسالة واضحة للرأي العام عن الانضباط الحزبي والانسجام ما بين مختلف المستويات (محلي -اقليمي -جهوي ووطني). في الوقت الذي عبرت عنه قيادات بعض الأحزاب سواء تلك المتموقعة داخل التحالف الحكومي أو المُشًكلة لقطب المعارضة عن عدم نيتها بل التزامها بعدم الدخول في تحالف مع الطرف الخصم بل واعتبرته من الخطوط الحمراء.
وانسجاماً مع هذا التوجه، وتماشياً مع المنطق الأخلاقي الذي يفرض على المنتخب الانضباط لتوجهات حزبه، فإنه من الأرجع أن نكون إذن أمام كثلتين اثنتين :
- كثلة أولى :
وسيكون في حوزتها 15 مقعداً، وتتشكل من كل من أحزاب : العدالة والتنمية، الحركة الشعبية ثم التقدم والاشتراكية، دون الحاجة الى ضم حزب الحركة الديمقراطية الإجتماعية وذلك للحفاظ ما أمكن على الأوراق التي سيعمل حزب العدالة والتنمية اللعب بها لإرضاء المتحالفين. وبهذه الأغلبية، سيتمكن هذا الأخير من الظفر بمنصب رئاسة المجلس البلدي الجديد.
- كثلة ثانية :
وفي جعبتها 14مقعداً، وتضم كل من حزب الاتحاد الدستوري حزب الأصالة والمعاصرة وكذا حزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية الذي سوف لن يكون أمامه أي خيار سوى الانضمام الى المعارضة. وبهذه التركيبة، سوف لن يتمكن حزب الاتحاد الدستوري من الحصول على الأغلبية المطلوبة للظفر برئاسة المجلس.
السيناريو الثاني :
وهو فرضية عدم تقيد إحدى الحزبين الأخريين، المنتميين للتحالف الحكومي، (ونعني بهما حزب الحركة الشعبية وحزب التقدم والاشتراكية) بتوجه ومنطق القيادة الذي يفرض عدم التحالف مع أحزاب المعارضة. وفي هذه الحالة، سنكون إذن أمام امكانية انضمام أحد الحزبين المذكورين أو هما معاً لحزب الاتحاد الدستوري. وفي هذه الحالة ستختلط الأوراق شيئاً ما أمام حزب العدالة والتنمية.
- وعلى فرض انضمام حزب التقدم والاشتراكية إلى حزب الإتحاد الدستوري، فإن حزب العدالة والتنمية سيكون مكرهاً، مهما كلفه ذلك من ثمن، لجلب أعضاء حزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية لتشكيل الأغلبية المطلقة. مع العلم أن هذا التحالف سيكلف لا محالة الفائز بالرئاسة ثمناً باهضاً، سيما على مستوى تكوين مكتب المجلس، ونعني بالخصوص مناصب خلافة الرئاسة التي سيكون مرغماً للتنازل عنها لفائدة حلفائه لإرضائهم من جهة. ومن جهة ثانية، سيكون في وضع غير مريح ومعرض للوم والمساءلة والانتقاد من طرف أعضاء حزبه الطامحين هم أيضاً للظفر بمناصب داخل مكتب المجلس، سيما على مستوى منصب خلافة الرئاسة، علماً بأن عددهم يفوق ستة العدد المخصص لمناصب خلافة الرئيس.
- أما في حالة استعداد حزب الحركة الشعبية الانضمام إلى حزب الاتحاد الدستوري عوض حزب العدالة والتنمية، فسيكون هذا الأخير حينها أمام ضرورة جلب 06 مقاعد على الأقل للحصول على الأغلبية المطلقة. وهي مهمة تبقى في تقديرنا شبه مستحيلة لاعتبارات مختلفة، وستحول دون حصوله على منصب الرئاسة التي ستؤول، في هذا الإحتمال، إلى حزب الاتحاد الدستوري، إذا ما تمكن، هو الآخر، من جلب أصوات باقي الأحزاب الأخرى المتبقية.
ومهما يكن من أمر، وحتى لا نستبق الأحداث والوقائع، فإن كل الاحتمالات تبقى واردة بشأن الصراع على رئاسة المجلس، إذ لاشئ ثابت في السياسة. وكل السيناريوهات تبقى إذن ممكنة وقابلة للتغير طيلة المدة التي تفصلنا عن انعقاد جلسة انتخاب رئاسة المجلس، والتي حدد القانون التنظيمي 113.14 تاريخ انعقادها داخل 15 يوماً الموالية لتاريخ الإعلان عن نتائج اقتراع الرابع شتنبر 2015. فالتحالف، مهما يكن، سواء مع هذا اللون السياسي أو ذاك، ليس بالأمر غير المشروع في الممارسة السياسية. إذ لا شئ يمنع من أن يتحالف أعضاء في اليمين مع آخرين في اليسار داخل هيئة تمثيلية معينة، لكن شريطة أن يخضع ذلك –على الأقل- لأدنى الشروط القيمية والأخلاقية.
ولو أن مجال السياسة فضاء واسع للمناورة والتكتيك وينبني –في الكثير من المناسبات- على أسس ومبادئ النظرية الميكيافيلية حيث المكر، الحيلة والخداع، إلا أنه من المستحسن، بل من المفروض أن تتم التحالفات، التي نحن بصدد تناول سياقها، على أساس مبدأ قيمي أخلاقي يستحضر المنتخَب حينها إرادة الناخب الذي عبر عن طواعية وقناعة للتصويت لفائدته، ويشعر بالمسؤولية حيال ناخبيه، وأن لا يتم ذلك بأي شكل من الأشكال والصور التي تعبر عن الالتفاف على الإرادة الشعبية. لأن كل تحالف مشبوه في شرعيته الديمقراطية إلا وسيكون باطلاً أخلاقياً، والتفافاً على إرادة الساكنة المحلية، وسيفضي، من تم مستقبلاً إلى نتائج عكسية على الممارسة السياسية وانخراط المواطنين بكل فئاتهم في المجال السياسي، ويكرس من تم ظاهرة العزوف.
فإذا كان ارتفاع نسبة المشاركة في هذه الانتخابات قد أعطى، للرأي العام، مؤشرأ حقيقياً على تصالح المواطن مع السياسة والرجوع إلى صناديق الاقتراع، فإن كل تحالف مبني على مصالح ضيقة أو وفق منظور مادي صرف، لا يُراعَى فيه اختيار الناخب وقناعاته، سيهدم كل المجهودات التي بذلتها الدولة ومعها الفاعلين السياسيين لإرجاع ثقة المواطن في العمل السياسي. وسيكرس لا محالة واقعاً مرا سيتجرعه المواطن طيلة مدة الانتذاب التي حددها المشرع في ستة أعوام. كما سيعطي أيضاً صورة قاتمة لمستوى تدني المنظومة القيمية والأخلاقية لدى المنتخب الذي يجب أن يضع إرادة، اختيار ومصالح ثم أمانة الساكنة فوق كل الاعتبارات الشخصية والمادية الضيقة. فالمنتخب مطالب اليوم باستيعاب معنى ومغزى هذا التفويض الذي هو من طبيعة ما يطلق على تسميته في علم السياسة ب"الوكالة الآمرة" (Mondat impératif)، التي تفرض عليه أن يبقى وفيا لتعهداته التي أخذ على عاتقه، وتمنح بالمقابل الحق للناخبين سحب هذا التفويض منه كلما التف على إرادتهم.
فالقانون أوكل إلى المنتخب تولي مسؤوليات جمة وقيادة أوراش تنموية مفصلية ببلادنا، وعلى رأسها مشروع الجهوية المتقدمة كتنظيم ترابي لا مركزي، وفق ما نص على ذلك المشرع الدستوري من خلال الفقرة الرابعة من الفصل الأول، وهو ما يتطلب من هذا المنتخب أن يكون في مستوى هذا التكليف، سواء في محطة انتخاب رئاسة المجلس وباقي أجهزته، أو طيلة المرحلة المخصصة لتدبير الشأن العام المحلي، حتى يعبر بكل صدق وحسن نية عن أداء الأمانة ورعايتها، والحفاظ أيضاً عن نظافة ماء الوجه.