حسن المهداني نونبر 2015
سقطت أسماء وغاصت أخرى في مستنقع العفن وذبحت إيمانها على عتبات أسياد الفساد، وانهارت شعارات كانت تطاول الجبال بينما رفع الانتهازيون شعار "الحق في الخيانة".
أخذوني إلى جبهات مستعارة للتحرر وخنادق وهمية للثورة وألبسوني لحية "ماركس" ولقنوني أغاني "أبي ذر" ووضعوا على رأسي "بيرية غيفارا" وعلقوا على صدري تميمة "الاختيار الثوري" ثم قالوا لي "سنوقف عقارب الساعة بمناجلها وندك الجبال بمطارقنا، وسنجبر التاريخ على السير باتجاه حتميتنا العلمية، فإياك، إياك والوهن أو التراجع فلا وقت للوقت والمراكب أحرقناها والدنيا طلقناها والحياة جعلنا التضحية مبتداها ومنتهاها".
في الجامعة، تشربت انضباط الخوف من أن أوخذ وأواخذ بالشبهة إلى حلقة يحرسها الرفيق الحريص على لقبه والحارس على حرمة الحرم وقدسية الساحة، وفي الجمعية تعلمت أن لا قيمة تعلو على قيمة التطوع كما جسدها الشهيد وهو يحفر قبره في طريق الوحدة. وفي الحزب اختنقت بروح عسكرية في ثكنة تسكنها تراتبية الزاوية وزمن القبيلة وتحركها النزوات السلطوية والأخلاق الانتهازية وتتماهى مع المتسلط والطاغي وتلقن العقائد الوثوقية وتدعو إلى عبادة الأصنام.
محبطا منكسرا منهزما محزونا أجر حبال الخيبة ورائي، عدت إلى أقاصي نفسي المتعبة لأسكن أحلامي الضائعة لا ألوي سوء على ذكريات كالحنين وخيانات تتراقص في يقظتي ومنامي، وبكل العشق الذي عشقته بكل الإخلاص الذي نذرته وبكل البلاهة التي صدقت بها، أدركت معنى الإنسان ومكر التاريخ. لذلك فأنا لم أعد أحتقر هذه النواصي الواطئة الكاذبة الانتهازية بل أشفق عليها وأترفع عن تأثيمها وكيف لي ذلك وهم يرون قامات سكنت قلعة عتيدة تحاكي نهر سبو في مصبه ومجراه وعظمته وصور كانت كالأيقونات تؤثت جرائدنا وتسكن خيالنا ثم صارت مجرد أبواق، ولمن؟ لجلاديها. فكيف أحتقر إذن سقط المتاع وفحم الرجال.
أما عندما تسربت شحنة تلك السفينة التي احتجزت في ميناء الدار البيضاء من تلك الكتب الحمراء التي وصلت حتى (فاس) وحتى (وجدة)، فلكم أن تتصوروا ذلك الهذيان الأحمر الذي وصل حتى الجبال محملا فوق بغل إلى جانب مسدس صدإ لينجز مهمة الثورة المقدس.
بل إن بعض البؤساء وقلتهم صادقين قد أعلنوا الحرب على الأعراف وعلى المؤسسات وعلى المجتمع وسكنوا عالم أفلاطون العلوي. فلا عائلة ولا أولاد ولا أم ولا أب إلا الثورة، ولا حب ولا عاطفة، ولاحليب ولا أمومة سوى العاصفة بعضهم اعتبرها رؤيا إلى جانب ذكرياته الجامعية وبعضهم وهم الصادقون القلة تبعوها كما يتبع السراب، وعندما استيقظوا وجدوا أنفسهم كالقابضين على الماء. ذهب الرفاق وذهب المناضل الملتزم بلحيته وسيجارة (كازا) الرديئة والنعل البلاستيكي وجاءنا اليوم المناضل المؤسساتي الذي يتحاشى الجماهير حتى لا يشتم عرقها في الشارع، المناضل المفارق والمتعالي على الرعاع والجياع والفقراء، والعمال والكادحين، المناضل الذي جعل الحزب زاويته والزعيم شيخه ومصدر ريعه فجعل نفسه وجعل التنظيم في خدمة شيخه.
وفي الهزيع الأخير من الليل جاءنا المناضل/المثقف العابر للحدود، فحيثما كانت المصلحة الفردية فتمت العقلانية المكيافيلية أفلا يقول علماء الترانزطولوجيا بأن الالتباس سيد الانتقال يخرج الميت من الحي ثم الميت من الحي.
هي تقول أنني العاصي من أولادها وملعون ذريتها، منذ أن قلت لها أني لست مثل إخوتي لأنهم يتشابهون كالبقر ويتبعون الكبش الكبير كالغنم، عندها تبرأت مني ثم أمرت أولادها أن يرمونني كما يرمى البعير الأجرب، فنفد الرفاق الوصية وكأنها مهمة مقدسة.
بلادي مكان مغلق ومحروس ومسيج بأدرع ثقافية وعسس غيروا جلدهم وما غيروا غلظتهم وشدتهم، والمكان المغلق إما سجن وإما قبيلة –فهل هناك أقسى على المرء من أن يسجن عقله وقلبه ونفسه وروحه وحركاته وسكناته ولحظاته الحميمية. والقبيلة سجن بلا قضبان والجميع عسس والجميع مسجون والكل يراقب الكل. السؤال مروق والاختلاف ردة والرفض حمق وجنون.
قال الرقيب : الخارج عن الجماعة شيطان والخارق لأعرافها منبوذ فضع رأسك بين الرؤوس وتزوج كما يتزوج الناس وتفاخر بكثرة النسل، فالأولاد زينة الحياة ثم اتركهم للأزقة كي تربيهم.
أكمل نصف دينك ونصف دينك الآخر، قم به يوم الجمعة وفي الأعياد وأنت ترتدي الجلباب الأبيض والبلغة الصفراء، ولا تنس أن تشتري لزوجك برقع أفغاني فالمرأة يسكنها الشيطان، وما آدم سوى محرض على أكل التفاحة الحرام. وقال الرفيق "لماذا تصر على تخريب ذاتك من أجلها وبهذا الإصرار لماذا تذوب يوميا عليها وهي تعرض لحمها وثدييها على مغتصبها؟ لماذا تضع رقبتك قربانا بين يدي هذه الغانية اللعوب، حبيبة الكل؟ لماذا لا تكون كأيها الناس وككل الناس ورأسا من رؤوس القطيع؟".
قلت : "شكرا إذن، فدعوني فقط أغرق في مازوشيتي حد الثمالة، ودعوني أثمل في حبها إلى حدود تدمير ذاتي، ودعوا قلبي ينفطر ويدمي من أجلها، ويكن قلبها من خشب أو من حجر. فما عادت الشعارات تغريني، ولا أساطير بطولات الأولين تهزني، ولكن جذوري هنا وها هنا، هنا أحيا وهنا سأموت، ولا أعتى عاتيات الزمن تستطيع أن تقتلعها.