قد نختلف قليلا أو كثيرا حول "سي الفرخاني" أو الحاج "سي احمد أوحدو"، ولكن لا أحد يستطيع أن ينكر أو ينفي أن الرجل يظل علامة مميزة، وركنا ركينا يؤثث ذاكرتنا التربوية والدينية والإجتماعية، فكم من جيل ربى هذا الرجل وكم من رجة أحدثتها خطبه ليوم الجمعة عندما كان أئمة المساجد أحرارا في اختيار مواضيع خطبهم، وعندما كان إسلامنا الشعبي ينساب دون محرمات أو طابوهات أو فتاوي الحيض والنفاس. باختصار فقد كان الرجل وضعيته مستقلة بذاتها.
كان "سي الفرخاني" يدرس اللغة العربية والتربية الإسلامية وكنت ممن تتلمذ عنه في المادتين، وفي أشياء أخرى طبعا. وكنت كذلك من التلاميذ محط إهتمامه وقفشاته و(تقشابه) القاسي جدا، خصوصا إذا كان أمام زمرة الزملاء المراهقين وبالأخص الفتيات. خذ هذه مثلا : سي الفرخاني كان يفضلني ويخول لي إمتياز الكتابة على السبورة بدلا عنه. لكنه ذات صباح وبدون سابق إنذار فاجأني وهو يأمرني بالجلوس قائلا : "اجلس! إن باكسمان* يكتب أحسن منك" لكنه سرعان ما يتجاوز حالته المزاجية ثم يأمرني بأن أقوم إلى السبورة كي أكتب.
أو خذ مثلا الطريقة التي كان يشرح بها "المبتدأ المتأخر" أو المفعول به المنصوب حين يتحول إلى نائب فاعل مرفوع مع الفعل المبني للمجهول. على أن هذا لا ليعني أنه لم يكن يقم بواجبه بل العكس هو الصحيح. لكن قفشاته الكثيرة وطريقة تقديمه للظواهر اللغوية هي ما كان يثيرنا ويبقى عالقا في ذهننا لنجعله موضوع حديثنا. فالرجل لم يكن يحتاج إلى ديداكتيك بل كان "السي الفرخاني" ديداكتيكا قائم الذات، وهذه مجرد أمثلة صغيرة، والمؤكد أن البعض ينتظر مني أن أحكي قصتي معه عندما كنت أستأذنه في عدم حضور ساعتين متتاليتين من مادة التربية الإسلامية، بدعوى أني أشارك في الأنشطة الثقافية إستعدادا للإحتفال بعيد العرش كما كان آنذاك، بينما كنت أذهب إلى دار الشباب لأتمرن مع فرقتي الغنائية التي كانت على شاكلة المجموعات الغنائية التي كانت تملأ الساحة آنذاك... فحدث أن رآني يوم عيد العرش وأنا أغني مع المجموعة في نادي لسيليلوز (كليب) مزهوا بشعري، بينما كان هو في الصف الأول مع المدعوين يتابعني بغيظ وحنق. ولما عدنا من العطلة كان موعدي مع ساعتين من التوبيخ والكلام الذي كان ينزل على نفسية المراهق المعجب بنفسه وكأنه وابل من الرصاص الذي لا يخطئ هدفه ثم ختمها بهذه العبارة "تتسحاب راسك كنتي تتقرقب علي راه كنتي تتقرقب غير على الشارفات" بينما كانت قهقهات الزملاء المغرضة تزيد من غلياني، وعندما إنتفضت لأدافع عن نفسي قال : "إني لأقصدك أنت بالضبط" فكنت كمن تعرض ل "دوش" بارد. وهكذا ظلت هذه القصة حديث تفكه بعض الأصدقاء إلى اليوم.
وبعيدا عن هذا قريبا منه تبقى قصة أخرى طريفة وقعت لي مع "السي الفرخاني" دون أن يعلمها أي أحد، وطبعا لم أكن أحمق لأحكيها للأصدقاء والزملاء، وتركت في نفسي أثرا لا ينسى وقد يكون أستاذنا المحترم قد نساها؛ هل تذكرون طبعية المواضيع الإنشائية التي كان "السي الفرخاني" يقترحها علينا : "وزيعة في الدوار" أو "دجاجة عمياء وصف دجاجة عمياء" فكان على الواحد منا أن يملك ملكة (بروست) لكي يصف دجاجة عمياء!!! رباه من سينقذني من هذه الورطة؟ فذهب ذهني مباشرة إلى أختي الكبيرة وانفرجت كربتي قليلا. لكني كنت في الليل آوي إلى بيت لنا فوق السطح لأجلس وحدي أستمع إلى أغاني المجموعات الشعبية. وبينما كنت مستغرقا مسترخيا، أسمع إلى أغنية حزينة ل "جيل جيلالة" سرح ذهني ثم وجدتني آخذ قلما وأسطر هذه القصة التي سأروي فكرتها، أما التعبير فقد كان تعبير ووصف السنة الرابعة إعدادي.
يحكى أن امرأة فقيرة كانت تملك دجاجة وحيدة، وولدا وحيدا، تأكل من فراخها متى كبرت، وتحافظ عليها لتدلل ولدها الوحيد ببيضها، لكن الدجاجة أصابها مرض أعمى عينيها فصارت المسكينة لا تتحرك إلا في دائرة ضيقة، فرقت المرأة لحالها. وكانت تأتيها ببعض الحبوب والخبز والماء، لكن قوة خفية جعلت الدجاجة تهتدي لوضع بيضها في مكان لا تعلمه صاحبة المنزل التي كانت تفكر مباشرة في الصبيان عندما لم تكن تجد أثرا للبيض، ثم تتجاهل الأمر. فهي على كل حال ليست سوى دجاجة عمياء لم تضع بيضا كثيرا ولكنها حضنته رغم ذلك لتفاجأ المرأة يوما بصوت بيض يفقس وكتاكيت تخرج، ومنذها إعتبرت المرأة أن هذه الدجاجة مباركة. ولما لم يعش من الكتاكيت سوى ثلاثة ديكة، فقد نذرت ألا تمس أي واحد منها، بل ستذبح واحدا للولي الصالح "سيدي يحيى بن منصور" والثاني ل"مولاي قبتين" والثالث للمولى ل"ادريس زرهون" في موسم "ابن احسن" متى أخذ ولدها الوحيد الشهادة الكبيرة، شهادة الباكلوريا. الديكة المباركة تسرح أمام عينيها، والإبن مستغرق في كتبه وأوراقه داخل غرفته الطينية. – وليلة إمتحان الباكلوريا هجرها النوم إلا قليلا لتستيقظ مع أول تكبيرة لآذان الفجر وتتوجه رأسا إلى بيت وحيدها وفارسها ولكنها وجدت الفراش خاليا، ففكرت أولا في المرحاض ثم فتشت جميع أركان المنزل القصديري وما حوله وما وراءه لكن لا أثر، لا أثر.
–. إستيقظ الأب وإستيقظ الجيران فخمنوا جميع التخمينات، واتجهوا جميع الإتجاهات، وبحثوا عند جميع الأهل والأحباب والمعارف ومر نصف النهار فأخذ التعب مأخذه منها، فانهارت فجأة بين يدي زوجها، ثم إستيقظت جثة تحملق في الفراغ بدون حركة وسط عويل النسوة وبكاء الأطفال وثرثرة الرجال ولكن لا أحد حمل خبره حيا أو ميتا. وعند المساء كان القلب قد إنفطر والكبد أصبح رخوا والعقل ملحمة للأشباح.
– عاودها البكاء والعويل فجأة فغرست أظافرها في خديها ولطمت فخديها، صرخت حتى كادت تختنق ثم سقطت أرضا. فشهقت ثم إستسلمت للنوم فجاءها كالعريس موشحا بالبياض ووجهه يشع نضارة تدثره لحية كأنها قوس ثلج. و في الغد قامت المرأة بذبح الديكة دفعة واحدة أمام عتبة غرفته تاركة الدم يسقي أركان البيت ثم قامت بتوزيع لحمهم على أهل الحي.
وها أنذا إذن كتبت قصتي بهواجس حاضري، فقد كان "سي الفرخاني" وهو يوزع أوراق الإنشاء يرمقني دون أن يكلمني أو يسلمني ورقتي ليناديني آخر الحصة ثم يسألني عن عائلتي وأصدقائي ويحذرني مما أسماه بالفلسفات الهدامة التي كانت تتربص بالمسلمين وليحذرني من العودة إلى كتابة مثل هذه الأشياء.
وها أنذا أتحرر وقد بقيت هذه القصة مركونة في ركن قصتي من لاوعيي، أما "سي الفرخاني" كباقي أساتذة جيله، فلم يكن عيبهم سوى أنهم أحبونا مثل أبنائهم أما اليوم فحتى ذلك التيار الوجداني لا يمر بين المرسل والمرسل إليه، فكيف ستمر الرسالة!؟
(*) باكسمان : معمر فرنسي تأخر به الزمن في سيدي يحيى الغرب.
كان "سي الفرخاني" يدرس اللغة العربية والتربية الإسلامية وكنت ممن تتلمذ عنه في المادتين، وفي أشياء أخرى طبعا. وكنت كذلك من التلاميذ محط إهتمامه وقفشاته و(تقشابه) القاسي جدا، خصوصا إذا كان أمام زمرة الزملاء المراهقين وبالأخص الفتيات. خذ هذه مثلا : سي الفرخاني كان يفضلني ويخول لي إمتياز الكتابة على السبورة بدلا عنه. لكنه ذات صباح وبدون سابق إنذار فاجأني وهو يأمرني بالجلوس قائلا : "اجلس! إن باكسمان* يكتب أحسن منك" لكنه سرعان ما يتجاوز حالته المزاجية ثم يأمرني بأن أقوم إلى السبورة كي أكتب.
أو خذ مثلا الطريقة التي كان يشرح بها "المبتدأ المتأخر" أو المفعول به المنصوب حين يتحول إلى نائب فاعل مرفوع مع الفعل المبني للمجهول. على أن هذا لا ليعني أنه لم يكن يقم بواجبه بل العكس هو الصحيح. لكن قفشاته الكثيرة وطريقة تقديمه للظواهر اللغوية هي ما كان يثيرنا ويبقى عالقا في ذهننا لنجعله موضوع حديثنا. فالرجل لم يكن يحتاج إلى ديداكتيك بل كان "السي الفرخاني" ديداكتيكا قائم الذات، وهذه مجرد أمثلة صغيرة، والمؤكد أن البعض ينتظر مني أن أحكي قصتي معه عندما كنت أستأذنه في عدم حضور ساعتين متتاليتين من مادة التربية الإسلامية، بدعوى أني أشارك في الأنشطة الثقافية إستعدادا للإحتفال بعيد العرش كما كان آنذاك، بينما كنت أذهب إلى دار الشباب لأتمرن مع فرقتي الغنائية التي كانت على شاكلة المجموعات الغنائية التي كانت تملأ الساحة آنذاك... فحدث أن رآني يوم عيد العرش وأنا أغني مع المجموعة في نادي لسيليلوز (كليب) مزهوا بشعري، بينما كان هو في الصف الأول مع المدعوين يتابعني بغيظ وحنق. ولما عدنا من العطلة كان موعدي مع ساعتين من التوبيخ والكلام الذي كان ينزل على نفسية المراهق المعجب بنفسه وكأنه وابل من الرصاص الذي لا يخطئ هدفه ثم ختمها بهذه العبارة "تتسحاب راسك كنتي تتقرقب علي راه كنتي تتقرقب غير على الشارفات" بينما كانت قهقهات الزملاء المغرضة تزيد من غلياني، وعندما إنتفضت لأدافع عن نفسي قال : "إني لأقصدك أنت بالضبط" فكنت كمن تعرض ل "دوش" بارد. وهكذا ظلت هذه القصة حديث تفكه بعض الأصدقاء إلى اليوم.
وبعيدا عن هذا قريبا منه تبقى قصة أخرى طريفة وقعت لي مع "السي الفرخاني" دون أن يعلمها أي أحد، وطبعا لم أكن أحمق لأحكيها للأصدقاء والزملاء، وتركت في نفسي أثرا لا ينسى وقد يكون أستاذنا المحترم قد نساها؛ هل تذكرون طبعية المواضيع الإنشائية التي كان "السي الفرخاني" يقترحها علينا : "وزيعة في الدوار" أو "دجاجة عمياء وصف دجاجة عمياء" فكان على الواحد منا أن يملك ملكة (بروست) لكي يصف دجاجة عمياء!!! رباه من سينقذني من هذه الورطة؟ فذهب ذهني مباشرة إلى أختي الكبيرة وانفرجت كربتي قليلا. لكني كنت في الليل آوي إلى بيت لنا فوق السطح لأجلس وحدي أستمع إلى أغاني المجموعات الشعبية. وبينما كنت مستغرقا مسترخيا، أسمع إلى أغنية حزينة ل "جيل جيلالة" سرح ذهني ثم وجدتني آخذ قلما وأسطر هذه القصة التي سأروي فكرتها، أما التعبير فقد كان تعبير ووصف السنة الرابعة إعدادي.
يحكى أن امرأة فقيرة كانت تملك دجاجة وحيدة، وولدا وحيدا، تأكل من فراخها متى كبرت، وتحافظ عليها لتدلل ولدها الوحيد ببيضها، لكن الدجاجة أصابها مرض أعمى عينيها فصارت المسكينة لا تتحرك إلا في دائرة ضيقة، فرقت المرأة لحالها. وكانت تأتيها ببعض الحبوب والخبز والماء، لكن قوة خفية جعلت الدجاجة تهتدي لوضع بيضها في مكان لا تعلمه صاحبة المنزل التي كانت تفكر مباشرة في الصبيان عندما لم تكن تجد أثرا للبيض، ثم تتجاهل الأمر. فهي على كل حال ليست سوى دجاجة عمياء لم تضع بيضا كثيرا ولكنها حضنته رغم ذلك لتفاجأ المرأة يوما بصوت بيض يفقس وكتاكيت تخرج، ومنذها إعتبرت المرأة أن هذه الدجاجة مباركة. ولما لم يعش من الكتاكيت سوى ثلاثة ديكة، فقد نذرت ألا تمس أي واحد منها، بل ستذبح واحدا للولي الصالح "سيدي يحيى بن منصور" والثاني ل"مولاي قبتين" والثالث للمولى ل"ادريس زرهون" في موسم "ابن احسن" متى أخذ ولدها الوحيد الشهادة الكبيرة، شهادة الباكلوريا. الديكة المباركة تسرح أمام عينيها، والإبن مستغرق في كتبه وأوراقه داخل غرفته الطينية. – وليلة إمتحان الباكلوريا هجرها النوم إلا قليلا لتستيقظ مع أول تكبيرة لآذان الفجر وتتوجه رأسا إلى بيت وحيدها وفارسها ولكنها وجدت الفراش خاليا، ففكرت أولا في المرحاض ثم فتشت جميع أركان المنزل القصديري وما حوله وما وراءه لكن لا أثر، لا أثر.
–. إستيقظ الأب وإستيقظ الجيران فخمنوا جميع التخمينات، واتجهوا جميع الإتجاهات، وبحثوا عند جميع الأهل والأحباب والمعارف ومر نصف النهار فأخذ التعب مأخذه منها، فانهارت فجأة بين يدي زوجها، ثم إستيقظت جثة تحملق في الفراغ بدون حركة وسط عويل النسوة وبكاء الأطفال وثرثرة الرجال ولكن لا أحد حمل خبره حيا أو ميتا. وعند المساء كان القلب قد إنفطر والكبد أصبح رخوا والعقل ملحمة للأشباح.
– عاودها البكاء والعويل فجأة فغرست أظافرها في خديها ولطمت فخديها، صرخت حتى كادت تختنق ثم سقطت أرضا. فشهقت ثم إستسلمت للنوم فجاءها كالعريس موشحا بالبياض ووجهه يشع نضارة تدثره لحية كأنها قوس ثلج. و في الغد قامت المرأة بذبح الديكة دفعة واحدة أمام عتبة غرفته تاركة الدم يسقي أركان البيت ثم قامت بتوزيع لحمهم على أهل الحي.
وها أنذا إذن كتبت قصتي بهواجس حاضري، فقد كان "سي الفرخاني" وهو يوزع أوراق الإنشاء يرمقني دون أن يكلمني أو يسلمني ورقتي ليناديني آخر الحصة ثم يسألني عن عائلتي وأصدقائي ويحذرني مما أسماه بالفلسفات الهدامة التي كانت تتربص بالمسلمين وليحذرني من العودة إلى كتابة مثل هذه الأشياء.
وها أنذا أتحرر وقد بقيت هذه القصة مركونة في ركن قصتي من لاوعيي، أما "سي الفرخاني" كباقي أساتذة جيله، فلم يكن عيبهم سوى أنهم أحبونا مثل أبنائهم أما اليوم فحتى ذلك التيار الوجداني لا يمر بين المرسل والمرسل إليه، فكيف ستمر الرسالة!؟
(*) باكسمان : معمر فرنسي تأخر به الزمن في سيدي يحيى الغرب.