قبل البدء :
يجب الإقرار أولا بكل التقدير والاحترام لأشخاص خبرونا وخبرناهم حين كان الأمر يستدعي النزول إلى الميدان قبل التنظير المقل والمجتهد إلا عند الضرورة (أولئك المتأففون عن تجميع حلقات الشعوذة والدجل، إليهم مني أزكى التحيات مهما اختلفنا).
***
لا شك أن أصدقاء الدراسة الجامعية لازالوا يتذكرون ذلك المناضل الذي كنا نسميه "المناضل السامي" في إطار الاتحاد الوطني والمقصود هنا هو الاتحاد الوطني لطلبة المغرب -فقد كان هذا الطالب اللعوب والمهزوز أخلاقيا من ممثلي الطلبة القاطنين لدى الإدارة.
لذلك فقد كان دائم التواجد في الإدارة أو في المطعم أكثر من تواجده في الحلقة أو الساحة الجامعية، مما أثار انتباه أحدنا فسأل صديقه ليرد هذا الأخير بذكاء ماكر : "إنه مناضل سامي في إطار الاتحاد الوطني. انفجرنا ضحكا حتى أثرنا انتباه من كان أمامنا ووراءنا في الصف أمام المطعم الجامعي (الريسطو). و خرجنا من الجامعة و تفرقت بنا السبل، لأكتشف فيما بعد أن المعني لم يكن سوى مخبرا حيث حكى لي أحد الأصدقاء أنه بقي في الجامعة ليهيئ أطروحة دوكتورا السلك الثالث كما كانت تسمى.
وأمام توارد الخواطر جاءت هذه القصة إلى بالي و أنا أرى هذا "المناضل" الاتحادي الذي جاء إلى المجتمع المدني في عز انهيار المبادئ ودخل إليه تحت يافطة المجتمع المدني المحترف في إطار خطة مخزنية لتصفية العمل الجمعوي الذي تركه لنا الرموز والشهداء والذي كان يقدس التطوع كقيمة مبدئية وأخلاقية ويراهن على الفعل الثقافي كرافعة للمشروع الوطني الديمقراطي. بينما كان المشرع المخزني هو اغتيال كل فعل مدني حضاري ونبيل. فجاؤوا بكائنهم المفلس محمولا على تابوت الإفلاس الانتخابي، و نسجوا له بيتا من خيوط الريع الأممي المشبوه تحت شعار تقوية قدرات الفاعلين الاجتماعيين "Renforcement des capacités des acteurs sociaux".
وأطلق المخزن العنان لبعض صغار موظفيه كي يهندسوا المشهد المدني على مقاس الوصاية والتحكم. من طين خريف الأحزاب صنعوا نماذج كرطونية ل"فاعلين اجتماعيين" يقتاتون ويستررزقون على الريع الداخلي والأممي، بل يدبرون الجموع العامة في الكواليس ويفبركون الجمعيات ويشتطوا في اختراق مراكز الدعم الاجتماعي وتفويتها لأحد الكيانات السياسية ويطلقون العنان لعصفهم الذهني حول ال"التشبيك" وينصبون شباكهم لجمعيات لم تعد سوى واجهات أو تقتات على الفتات في أحسن الأحوال، في أيام غذائية تسمى دراسية حول التنمية البشرية.
فوق كل هذا، ورعاية منها لكائناتها الثقافية الهجينة يقوم المسؤولون والمنتخبون جهويا وإقليميا ومحليا بتشجيع الثقافة الفلكلورية عبر ما يمكن أن نسميها (الفرجة الجمعوية -Le spectacle associatif) قريبا من مفهوم "Le spectacle de la politique".
إن الديمقراطية بما هي عنوان للحداثة السياسية قد أبدعت المجتمع المدني لتنظيم المجتمع، ولكي تتهيكل الفئات للدفاع عن نفسها بنفسها، وجاء المشرع ليزكي هذه المكانة ويجعله شريكا أساسيا في التنمية وفي تدبير السياسات العمومية فكيف نضع مصيره بين يدي الصبيان والغلمان والفاشلين وبعض وجوه الطابور الخامس.
***
على سبيل الختم :
يقول بروفيسور في العلوم السياسية ويساري سابق أنه منذ (إعلان الرباط) أصبح المغرب منتجا لحقوق الإنسان وليس خاضعا فقط لتوصيات الخارج. فكيف لازلنا نحن نعاني من أجل الحق في التنظيم فقط وكيف يستهدف أفراد بعينهم ليمارس عليهم الاستبداد والقهر والقمع والتهميش والإقصاء كلما أرادوا ممارسة حقهم في التنظيم المكفول دستوريا ولو من أجل مصلحة فئوية اجتماعية بسيطة لذلك فإن شعارنا ليس شعارا "محترفا" بل شعارا "تطوعيا" وهو "من أجل الحق في التنظيم والحرية والاستقلالية".
يجب الإقرار أولا بكل التقدير والاحترام لأشخاص خبرونا وخبرناهم حين كان الأمر يستدعي النزول إلى الميدان قبل التنظير المقل والمجتهد إلا عند الضرورة (أولئك المتأففون عن تجميع حلقات الشعوذة والدجل، إليهم مني أزكى التحيات مهما اختلفنا).
لذلك فقد كان دائم التواجد في الإدارة أو في المطعم أكثر من تواجده في الحلقة أو الساحة الجامعية، مما أثار انتباه أحدنا فسأل صديقه ليرد هذا الأخير بذكاء ماكر : "إنه مناضل سامي في إطار الاتحاد الوطني. انفجرنا ضحكا حتى أثرنا انتباه من كان أمامنا ووراءنا في الصف أمام المطعم الجامعي (الريسطو). و خرجنا من الجامعة و تفرقت بنا السبل، لأكتشف فيما بعد أن المعني لم يكن سوى مخبرا حيث حكى لي أحد الأصدقاء أنه بقي في الجامعة ليهيئ أطروحة دوكتورا السلك الثالث كما كانت تسمى.
وأمام توارد الخواطر جاءت هذه القصة إلى بالي و أنا أرى هذا "المناضل" الاتحادي الذي جاء إلى المجتمع المدني في عز انهيار المبادئ ودخل إليه تحت يافطة المجتمع المدني المحترف في إطار خطة مخزنية لتصفية العمل الجمعوي الذي تركه لنا الرموز والشهداء والذي كان يقدس التطوع كقيمة مبدئية وأخلاقية ويراهن على الفعل الثقافي كرافعة للمشروع الوطني الديمقراطي. بينما كان المشرع المخزني هو اغتيال كل فعل مدني حضاري ونبيل. فجاؤوا بكائنهم المفلس محمولا على تابوت الإفلاس الانتخابي، و نسجوا له بيتا من خيوط الريع الأممي المشبوه تحت شعار تقوية قدرات الفاعلين الاجتماعيين "Renforcement des capacités des acteurs sociaux".
وأطلق المخزن العنان لبعض صغار موظفيه كي يهندسوا المشهد المدني على مقاس الوصاية والتحكم. من طين خريف الأحزاب صنعوا نماذج كرطونية ل"فاعلين اجتماعيين" يقتاتون ويستررزقون على الريع الداخلي والأممي، بل يدبرون الجموع العامة في الكواليس ويفبركون الجمعيات ويشتطوا في اختراق مراكز الدعم الاجتماعي وتفويتها لأحد الكيانات السياسية ويطلقون العنان لعصفهم الذهني حول ال"التشبيك" وينصبون شباكهم لجمعيات لم تعد سوى واجهات أو تقتات على الفتات في أحسن الأحوال، في أيام غذائية تسمى دراسية حول التنمية البشرية.
فوق كل هذا، ورعاية منها لكائناتها الثقافية الهجينة يقوم المسؤولون والمنتخبون جهويا وإقليميا ومحليا بتشجيع الثقافة الفلكلورية عبر ما يمكن أن نسميها (الفرجة الجمعوية -Le spectacle associatif) قريبا من مفهوم "Le spectacle de la politique".
إن الديمقراطية بما هي عنوان للحداثة السياسية قد أبدعت المجتمع المدني لتنظيم المجتمع، ولكي تتهيكل الفئات للدفاع عن نفسها بنفسها، وجاء المشرع ليزكي هذه المكانة ويجعله شريكا أساسيا في التنمية وفي تدبير السياسات العمومية فكيف نضع مصيره بين يدي الصبيان والغلمان والفاشلين وبعض وجوه الطابور الخامس.
على سبيل الختم :
يقول بروفيسور في العلوم السياسية ويساري سابق أنه منذ (إعلان الرباط) أصبح المغرب منتجا لحقوق الإنسان وليس خاضعا فقط لتوصيات الخارج. فكيف لازلنا نحن نعاني من أجل الحق في التنظيم فقط وكيف يستهدف أفراد بعينهم ليمارس عليهم الاستبداد والقهر والقمع والتهميش والإقصاء كلما أرادوا ممارسة حقهم في التنظيم المكفول دستوريا ولو من أجل مصلحة فئوية اجتماعية بسيطة لذلك فإن شعارنا ليس شعارا "محترفا" بل شعارا "تطوعيا" وهو "من أجل الحق في التنظيم والحرية والاستقلالية".